الشيخ محمد علي المدرس الأفغاني

536

المدرس الأفضل فيما يرمز ويشار إليه في المطول

جادت وسخت ، وإذا لم تبك مسيئة موصوفة بان ضنت وبخلت . فان قيل : انه أراد ان يقول : انى اليوم اتجرع غصص الفراق ، واحمل نفسي على مره ، واحتمل ما يؤديني اليه من حزن يفيض الدموع من عيني ، ويسكبها لكي اتسبب بذلك إلى وصل يدوم ، ومسرة تتصل حتى لا اعرف بعد ذلك الحزن أصلا ، ولا تعرف عيني البكاء ، وتصير في أن لا ترى باكية ابدا ، كالجمود التي لا يكون لها دمع ، فان ذلك لا يستقيم ويستتب ، لأنه يوقعه في التناقض ، ويجعله كأنه قال : احتمل البكاء لهذا الفراق عاجلا لأصير في الآجل بدوام الوصل واتصال السرور في صورة من يريد عينه ان تبكى ثم لا تبكي ، لأنها خلقت جامدة لا ماء فيها ، وذلك من التهافت والاضطراب بحيث لا تنجع الحيلة فيه . وجملة الامر ، انا لا نعلم أحدا جعل جمود العين دليل سرور ، وامارة غبطة ، وكناية عن أن الحال حال فرح . فهذا مثال فيما هو بالضد مما شرطوا من أن لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك ، لأنك ترى اللفظ يصل إلى سمعك وتحتاج إلى أن تخب وتوضع في طلب المعنى . ويجرى لك هذا الشرح والتفسير في النظم ، كما جرى في اللفظ لأنه إذا كان النظم سويا ، والتأليف مستقيما ، كان وصول المعنى إلى قلبك تلو وصول اللفظ إلى سمعك ، وإذا كان على خلاف ما ينبغي : وصل اللفظ إلى السمع ، وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه ، وإذا افرط الامر في ذلك : صار إلى - التعقيد - الذي قالوا : انه يستهلك المعنى ، انتهى .